كان يوماً خريفياً هادئاً , إستيقظت فجأة على رنين
جرس الباب .
مدت يديها إلى هاتفها لتتفقد الساعة كان الوقت
مبكراً جداً مما جعلها تتعجب و تتسائل من يكون هذا
الزائر الصباحي ؟
توجهت مسرعة نحو الباب رمت بنظرة خاطفة على العين
السحرية ثم فتحته زادت دهشتها حين لم تجد أحدا
هناك سوى رسالة ملقاة تحت قدميها , إلتقطتها
ببطئ شديد و هي تقلبها و تتفحصها بفضول.
إلى الآنسة بلقيس ..
هذه الجملة الوحيدة التي كتبت على ذلك الظرف
الوردي الشبه مفتوح , لم تنتظر طويلا لتخرج تلك
الورقة الصغيرة داخله و تقرأها
اليوم الساعة 4 زوالا
في قاعة المعارض الرئيسية
جاليري للفنان المبدع خالد فرج
أتمنى أن أراكِ هناك.
في لحظة جمود و إختلاط بين مشاعر فرحة عارمة و
دهشة مفرطة عجزت عن التفكير !
هذا فنانها المفضل الذي تعشق لوحاته و تمنت كتيراً
أن تحضر إحدى معارضه الفنية , و هذه الرسالة
المجهولة التي لا تعرف من أرسلها و لماذا و كيف
قضت ساعتين على هذا المشهد تمشي في محيط غرفته
تنظر إلى الساعة تفكر و تهمس بين الحين و الآخر
الوقت يمر يجب أن أتخد قراراً ، هذه فرصة لم أكن
لأحلم بها يوما .. كانت حائرة ضائعة لا تعرف ماذا
تفعل بتلك البطاقة المجهولة الهوية ,اترميها و
تنسى وجودها ام تذهب لعلها ترى من هذا الشخص
اللذي حقق حلما من احلامها المركونة منذ زمن؟
رن جرس الهاتف ، كان صوته كصفارة الإنذار يعلن
حالة الإستنفار لإتخاد القرار الصائب ردت بصوت
مضطرب :
آلوأسيل لن تصدقي ما حدث معي اليوم ...
لم تكد تكمل قصتها حتى قاطعها صوت المتصلة و هي
تقول لا تضيعي الوقت سأمر لإصطحابك على الساعة
التالثة وداعا.
كان كلام صديقتها كافيا لتتخد قرار ترددت فيه
لساعات و يبيد كل شعور بالتردد لتنتشي بفرحة
حلم تمنته كتيراً و تحقق في وقت كانت فيه شبه
يائسة من الغد..
إرتدت فستانها المفضل الأخضر الغامق
و حرصت على تسريح شعرها بطريقة بسيطة جدا
و وضع إكسسوارات ناعمة تعكس بساطتها .
حرصت على أن تكون جاهزة في الموعد المحدد , همت
بالخروج من باب بيتها نظرت إلى نفس المكان الذي
وجدت فيه الرسالة صباحا فإرتسمت إبتسامة رضى على وجهها زادتها بريقاً .
كانت تمشي بخطوات بطيئة في أركان الصالة الكبيرة
المليئة باللوحات ,تتأملها واحدة تلو الأخرى
تحاول الغوص فيها لترى حكاياتها الغامضة المثيرة التي
كتبت بألوان ساحرة .
توقفت عند إحدى اللوحات و صارت تنظر إليها بتمعن
, راقتها الالوان الخريفية الدافئة و لمست
أفكارها بقوة كانت ترى فيها شيئا منها شيئا
يحرك مشاعر داخلها , اغمضت عينيها كأنها تعود بالزمن إلى الوراء..
كان يوما خريفيا كهذا ,تعودا أن يجلسا معا في
المقهى المجاور للحديقة العمومية , أتت كالعادة
قبله بدقائق و جلست تنتظره و هي تستمع إلى
أغنيتهما المفضلة
..أخر أيام الصيفية و الصبية شوية شوية..
وصلت عساحة بميس الريح ...
رأته قادما من بعيد , لوحت بيديها كما اعتادت
ان تفعل لكنه لم يعرها اهتماما هذه المرة
كان وجهه عابسا على غير العادة جلس و لم يسلم
عليها حتى .. لا بل لم يستطع أن يسمح لعينيه أن تلتقي بعينيها
لترى الحيرة المرسومة فيهما .
ساد صمت قاتل لبرهة قبل أن يستجمع قواه و ينطق
بكلمتين : قررت الرحيل ,,,
خانها لسانها و خانتها كلماتها على التعبير , ما
يجدي الكلام و قد ضيعت سنين من حياتها لأجل حلم لم يكن لها و
صدقت وعوداً لم يتحقق منها شيء .
تركها و رحل ببساطة لتعاني وحدها ألم الفراق و
عذاب محاولات النسيان .
أغرورقت عينا ها بالدموع , هي لم تنسى رغم مرور
كل هذا الوقت و لن تنسى ذلك اليوم الحزين .
سمعت صوتاً يخاطبها هامسا ايقظها من الخوص في ذكرياتها ..
أراكِ معجبة بهذه اللوحة آنستي..
لم تصدق بصرها و هي ترى الفنان الذي عشقت لوحاته أمامها , لا
بل و يسألها في رأيها بإحدى لوحاته !!!
أجابت بصوت متوتر أجل أجل إنها رائعة جداً
ثم إستطرد في القول.. هذه اللوحة تجسيد لفتاة
حالمة رومانسية تملك ملامح هادئة تجعلك تشعر
بأنها فتاة متكبرة أو متعجرفة أو مغرورة لكنها
شخصية بسيطة خجولة تخفي حزنا عميقا داخلها لم
يمنعها من حب الحياة و الإصرار على الحفاظ على
التفائل ترى في كل يوم بداية جديدة تاركة
ورائها اوراق الخريف المتساقطة ...
قاطعته عن غير قصد لتسأله ...
ما اسم هذه اللوحة؟؟؟
أجاب و هو يبتسم .. أحلام سبتمبر...
رن جرس المنبه ,لتستيقظ بالفعل و تكتشف انه كان
مجرد حلم من أحلام الخريف الضائعة .,,
اتقدم بجزيل الشكر و التقدير للفنان خالد فرج
لمنحي شرف الكتابة على احدى لوحاته الرائعة .





